قبل ان يبرد الطعام تأليف: علي الحسناوي

قبل ان يبرد الطعام  تأليف: علي الحسناوي
مصطفى عماد
كتب بواسطة:
مصطفى عماد
دار النص المسرحي
محتويات المقال



قبل ان يبرد الطعام

تأليف علي الحسناوي

الشخصيات

الحكيم: شخص هادئ  يحمل عدة كتب، يتحدث بالفصحى، يبدو وكأنه يعرف إجابة كل شيء.

الطالبة: طالبة جامعية، تحمل حقيبة وكتبًا، متعبة وقلقة.

 

(إضاءة باردة. المسرح شبه فارغ. كرسي جامعي واحد في المنتصف. في الخلفية ساعة كبيرة تتحرك عقاربها بسرعة. صوت إشعارات هاتف متتالية.)


(تدخل الطالبة مسرعة، تحمل حقيبتها وكتبها. تتوقف، تنظر إلى هاتفها، تقرأ رسالة، تبتسم بسخرية، ثم تغلق الهاتف.)


الطالبة: ها… بعد شنو؟


(تفتح الهاتف مرة أخرى.)


الطالبة: هذا متخرج… هذا تعيّن… هذا سافر… وهذا خطب… وهذا اشترى سيارة… وأنا بعدني أدور على قاعة المحاضرة!


(تجلس على الكرسي وتضع رأسها بين يديها.)

الطالبة: والله العظيم هذا الزمن يحتاج واحد يوگفه و يگله شبيك طاير.


(يدخل  الحكيم بهدوء، يحمل كتبه. يقف بعيدًا ويراقبها.)



الحكيم: أَتُرِيدِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ؟

(ترفع رأسها بسرعة.)


الطالبة: ها؟!

الحكيم: أَتُرِيدِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ؟

الطالبة: بعض الطعام؟ ، إذا إنت دليفري گلي من البداية، عليمن مسويلي نفسك أفلاطون!

الحكيم: لَسْتُ سَاعِيَ طَلَبَاتٍ.

الطالبة: إي مبين… من القميص والكتب والفصحى عرفت.

الحكيم: وَمَا الَّذِي عَرَفْتِهِ أَيْضًا؟

الطالبة: عرفت إنك من النوع اللي إذا واحد سألك: «شلونك؟» تجاوبه: «بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَنْتَ؟»

الحكيم: أَلَيْسَ هَذَا أَدَبًا؟

الطالبة: لا خوية، هذا خطر اجتماعي.

(يبتسم.)

الحكيم: وَلِمَ أَرَاكِ غَاضِبَةً؟

الطالبة: مو غضبانة.

الحكيم: إِذَنْ مُتْعَبَة؟

الطالبة: لا.

الحكيم: حَزِينَة؟

الطالبة: لا.

الحكيم: ضَائِعَة؟

(تسكت.)

الطالبة: …يمكن.

الحكيم: وَلِمَ؟

الطالبة: لأن كلشي جاي يصير بسرعة.

الحكيم: وَهَلْ أَصْبَحَتِ السُّرْعَةُ مُشْكِلَةً؟

الطالبة: إي. إحنا هسه مو بس نركض حتى نوصل… إحنا نركض وما نعرف أصلًا وين رايحين!

(تنهض.)

الطالبة: من نگعد الصبح: جامعة. من نرجع: واجب. بعدها: امتحان. وبين هذا كله، افتح الموبايل… تلكى واحد أصغر منك صار عنده مشروع. واحد سافر. واحدة تزوجت. واحد اشترى بيت. واحد صار مشهور. وأنت؟ بعدك تفكر: شنو أريد أصير من أكبر؟

(الحكيم يقترب.)

الحكيم: وَمَا العَيْبُ فِي أَنْ تَسْأَلِي هَذَا السُّؤَالَ؟

الطالبة: العيب؟ العيب إنهم يريدونك تعرف الجواب قبل لا تعرف نفسك! من عمرك 18 سنة: «شنو تخصصك؟» تدخل الجامعة: «شنو خطتك؟» تتخرج: «وين الوظيفة؟» تشتغل: «ليش بعدك ما فتحت مشروع؟» تفتح مشروع: «ليش بعدك ما صرت غني؟» تتزوج: «ها، وين الأطفال؟»  تموت وين تولي ؟

(تنظر إلى الساعة.)

الطالبة: وبعدين فجأة… «ها؟ شلون مرت السنين؟»

الحكيم: وَمَاذَا تُرِيدِينَ مِنَ الزَّمَنِ؟

الطالبة: أريده يتركني بحالي!

(صمت.)

الطالبة: أريده يوم واحد… ما يسألني وين وصلت. ما يقارنني بأحد. ما يخوفني من باچر. بس يخليني أتنفس.

الحكيم: وَلَكِنَّ الزَّمَنَ لَا يَتَوَقَّفُ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ.

الطالبة: أدري. ولهذا إحنا خايفين. … خاف الزمن يمشي وإحنا واكفين.

الحكيم: وَمِنْ قَالَ إِنَّكِ وَاقِفَة؟

الطالبة: كلشي. 

هذا يكول انت متأخرة. وهذا يكول إني لازم أسرع. وهذا يكول عمري راح. وهذا يكول الفرص ما تنتظر. حتى أهلي مرات، من باب خوفهم عليّ، يكولولي: شوكت تصيرين ؟ وأنا بيني وبين نفسي أگول: تره جاي أحاول!

(صمت.)

الطالبة: بس محد يشوف المحاولة. الناس تشوف النتيجة بس.

الحكيم: وَهَلْ تُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي نَاجِحَةً؟

الطالبة: أكيد.

الحكيم: غَنِيَّة؟

الطالبة: أكيد.

الحكيم: مَشْهُورَة؟

الطالبة: مو شرط.

الحكيم: إِذَنْ مَاذَا تُرِيدِينَ؟

(تسكت طويلًا.)

الطالبة: أريد… أريد اكعد يوم… وما أحس أني متأخرة.

الحكيم: عَنْ مَنْ؟

الطالبة: ما أدري.

الحكيم: إِذَنْ أَنْتِ لَسْتِ مُتَأَخِّرَةً… أَنْتِ فَقَطْ تُسَابِقِينَ أَشْخَاصًا لَا يَعْرِفُونَ أَنَّكِ تُسَابِقِينَهُمْ.

(تسكت وتنظر إليه.)

الطالبة: ها… هاي قوية.

الحكيم: أَنَا حَكِيمٌ.

الطالبة: ولله خبلتني هسه قحط و اذا حكيم… حكيم شاكر!

(يبتسم.)

الطالبة: بس تدري شنو المشكلة الأكبر؟

الحكيم: مَا هِيَ؟

الطالبة: إحنا ما نخاف من الفشل، نخاف من الناس اللي يذكّرونا بيه؛ نحاول ونفشل، فيكولون «گتلك ما تنجح»، نحاول مرة ثانية فيكولون «بعدك ما تعلّمت؟»، لحد ما نترك أحلامنا… وبعدين نفسهم يسألون: «ليش ما عندك طموح؟»


الطالبة: شلون يعني؟

الحكيم: إِذَنْ أَنْتُمْ لَا تَخَافُونَ مِنَ الفَشَلِ… بَلْ تَخَافُونَ مِنْ أَصْوَاتِ النَّاسِ بَعْدَ الفَشَلِ.

الطالبة: إي. وأحيانًا نخاف من النجاح همين.

الحكيم: كَيْفَ؟

الطالبة: لأن من ننجح… الناس ترفع سقف توقعاتها. تنجح مرة، يريدونك تنجح كل مرة. تكون قوي اليوم، ممنوع تتعب باچر. تضحك اليوم، ممنوع تحزن باچر. تصير ناجح… يصير فشلك القادم سالفة بحلك اليسوى و المايسوى .

(الحكيم ينظر إليها طويلًا.)


الحكيم: وَأَيْنَ الشَّغَفُ فِي كُلِّ هَذَا؟

الطالبة: الشغف؟ ، الشغف صار كلمة حلوة بالإنستغرام. «اتبع شغفك.» «لا تستسلم.» «آمن بنفسك.» زين وبعدين؟ من أرجع للبيت وما عندي فلوس؟ من أهلي يحتاجوني؟ من أتخرج وما احصل شغل؟ أكول للشغف: «اصبر عليّ، خل أجيب خبز وبعدين نتفاهم.»

(صمت.)

الحكيم: إِذَنْ أَنْتِ تَرَيْنَ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَسْمَحُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَخْتَارَ مَا يُحِبُّ.

الطالبة: مرات. لأن الإنسان من يكون محتاج… ما يسأل: شنو أحب؟

الحكيم: وَهَلْ هَذِهِ هِيَ لَعْنَةُ هَذَا الزَّمَنِ؟


(تنظر إلى الساعة.)

الطالبة: لا. لعنة هذا الزمن… إنه أقنعنا إن حياتنا سباق. وإذا ما وصلت أول… فأنت خاسر. خلانا نقارن بدايتنا بنهاية غيرنا. نشوف الصورة… وما نشوف التعب اللي وراها. نشوف واحد ناجح… وما نعرف كم مرة طاح. نشوف واحد سعيد… وما نعرف شكد يبچي وحده. نشوف واحد وصل… وننسى نسأل: هو أصلًا راح للمكان اللي نريده إحنا؟

(صمت.)

الحكيم: وَمَا الحَلُّ؟

الطالبة: ما أدري. يمكن… نوقف شوي.

الحكيم: وَإِذَا تَوَقَّفْتِ، أَلَا تَخَافِينَ أَنْ يَسْبِقَكِ الآخَرُونَ؟

الطالبة: خلي يسبقون.

الحكيم: بِهَذِهِ السُّهُولَة؟

الطالبة: مو بسهولة. بس تعبت من الركض ورا ناس أصلًا ما أعرف وين رايحين.

(تجلس.)

الطالبة: يمكن أحتاج أتعلم شلون أعيش… مو بس شلون أوصل.

الحكيم: وَمَاذَا لَوْ لَمْ تَصِلِي؟

الطالبة: يمكن أكتشف إن الوصول مو هو كلشي.

الحكيم: وَمَاذَا لَوْ فَشِلْتِ؟

الطالبة: أحاول مرة ثانية.

الحكيم: وَمَاذَا لَوْ سَخِرَ مِنْكِ النَّاسُ؟

الطالبة: أخليهم يضحكون.

الحكيم: وَمَاذَا لَوْ تَأَخَّرْتِ؟

(تنظر إليه بثبات.)

الطالبة: أتأخر. بس أوصل وأنا أعرف ليش وصلت.

(صمت طويل.)

الحكيم: أَظُنُّ أَنَّكِ لَمْ تَكُونِي بِحَاجَةٍ إِلَى حَكِيمٍ.

الطالبة: ليش؟

الحكيم: لِأَنَّكِ كُنْتِ تَمْلِكِينَ الإِجَابَةَ مُنْذُ البِدَايَة.

الطالبة: لا حجي… أنا بس كنت محتاجة أحد يسمعني.

(ينظر إليها، ثم يضع الكتب جانبًا.)

الحكيم: وَهَلْ تَعْرِفِينَ مَا أَكْثَرُ مَا يُتْعِبُ الإِنْسَانَ؟

الطالبة: شنو؟

الحكيم: أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَحْلَّ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.

الطالبة: إي… وأنا من باچر راح أبدأ.

الحكيم: لَا.

الطالبة: شنو لا؟

الحكيم: لَا تَقُولِي «غَدًا».

الطالبة: ليش؟

الحكيم: لِأَنَّكِ قَضَيْتِ مُعْظَمَ وَقْتِكِ وَأَنْتِ تَنْتَظِرِينَ غَدًا.

(يصمتان.)

(يفتح حقيبته ويخرج علبة طعام.)

الطالبة: ها؟

الحكيم: كُلِي.

الطالبة: هسه؟

الحكيم: نَعَم.

الطالبة: وبعدين المستقبل؟

الحكيم: سَيَأْتِي فِي وَقْتِهِ.

الطالبة: والجامعة؟

الحكيم: سَتَنْتَهِي.

الطالبة: والوظيفة؟

الحكيم: سَنَبْحَثُ عَنْهَا.

الطالبة: والحياة؟

(يبتسم.)

الحكيم: نَعِيشُهَا.

(تمد يدها نحو الطعام.)

الطالبة: زين اكلك…

الحكيم: نَعَم؟

الطالبة: أنت فعلًا حكيم؟

(يتوقف.)

الحكيم: لَا.

الطالبة: شلون لا؟

الحكيم: أَنَا جَائِعٌ فَقَط.

(تنظر إليه لحظة، ثم تضحك.)

الطالبة: والله هاي أول حكمة منك صدگ!

(يضحكان.)

(الساعة في الخلفية تتوقف فجأة.)

(ينظر الاثنان إليها.)

الطالبة: شوف… الساعة وقفت.

الحكيم: لَا.

الطالبة: شلون لا؟

الحكيم: لَمْ يَتَوَقَّفِ الزَّمَنُ… نَحْنُ الَّذِينَ تَوَقَّفْنَا عَنْ مُطَارَدَتِهِ.

(صمت.)

(تتناول الطالبة الطعام. تخفت الإضاءة تدريجيًا، ويبقى الضوء عليهما.)

الطالبة: اكلك ؟

الحكيم: نَعَم؟

الطالبة: باچر شنسوي؟

(ينظر إليها ويبتسم.)

الحكيم: نَرَى مَاذَا يَحْدُثُ.



النهاية.





10/8/2026

ذي قار -الشطرة

شارك المقال:
مصطفى عماد
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (1)

أضف تعليقاً:

غير معرف15 سبتمبر 2026 في 12:28 م
❤️❤️