نص مسرحية الجسر تأليف علي الجراح
الجسر
الشخصيات
• - الرجل
• - زعفر
بيئة العرض
(مكانٌ ليس فيه معالم. على بُعد أميالٍ جسرٌ مهيب الطلّة، وفي القرب منه صخرةٌ يجلس عندها رجلٌ متكئًا على عصا. يأتي من بعيد شخصٌ ليقف عند الرجل الجالس على الصخرة، فينتبه له الرجل.)
زعفر:
من أنت؟
الرجل:
مسافر. وأنت؟
زعفر:
ظالم.
الرجل:
ظَلَمْتَ؟
زعفر:
ظَلَمْتُ نَفْسِي بِعِصْيَانِي.
الرجل:
كلُّ الأخطاء تُغتفر.
زعفر:
لا، خطئي لا يُغتفر... (يتمالك نفسه) ما الذي أتى بك إلى هنا؟
الرجل:
جئتُ لأرى روح ولدي. قالوا لي إنهم يأتون إلى هنا قبل أن تحلِّق أرواحهم إلى المعراج.
زعفر:
نعم، هنالك. أترى ذلك الجسر؟
(يومئ برأسه بنعم)
زعفر:
يوجد في نهايته منكر ونكير، تسأل الأرواح بعض الأسئلة ثم تذهب إلى مكانٍ آخر. ولكن قل لي: لماذا تريد أن ترى روحه؟
الرجل:
لأن الهواء انقطع في رئتي بعده.
زعفر:
وكيف مات؟
الرجل:
مشيئةُ الله. كان معتادًا أن يشرب ويغتسل من ذلك النهر، وفي يومٍ ذهب إليه ليجلب الماء منه فغرق ولم يرجع.
زعفر:
الموت غرقًا يعني الموت شهيدًا.
الرجل:
وماذا تنفعني الشهادة وهو في أحضان التراب وتلتهمه ديدان الأرض؟ أتعرّف... كنتُ عندما أشتاق إلى جدّي أنظر في وجهه، لأنه كان أشبهنا به... دعني أذهب إليه.
زعفر:
احذر، إن رآك حُرّاس الجسر سيعيدونك من حيث أتيت.
الرجل:
وما الحل إذًا؟
زعفر:
انظر في وجوه كل هذه الأرواح. أترى ولدك من بينها؟
(صمت)
الرجل:
كلا.
زعفر:
إذًا انتظره هنا، وعندما يأتي سأحاول أن أجعلك تتكلم معه.
(يجلسان على الصخرة)
الرجل:
لم تقل لي: أنت من؟
زعفر:
ألم أقل لك: ظالم؟
الرجل:
ما هو هذا الذنب العظيم الذي اقترفته لتكره نفسك هكذا؟
زعفر:
(يضحك) أعرف... في لحظةٍ كنتُ سأكون من المخلّدين، وفي لحظةٍ أخرى أصبحتُ من الخاسرين. انتهى كل شيء. خسرتُ كل شيء. كنتُ شيئًا، وأصبحتُ لا شيء. وكلُّ ذلك في لحظته.
الرجل:
وأنا في لحظته كنتُ أبًا، ثم أصبحت الألفُ والباءُ يتيمتين لا أحد يلفظهما. أتعرّف؟ عندما أخرجناه من الماء كانت الحناء ما تزال في يده. (يبتسم) لو لم يغرق في ذلك النهر لأصبح اليوم هو اليوم الثامن في زواجه. (يتنهّد) ألم يحن الوقت لتقول لي عن ذنبك العظيم هذا؟
زعفر:
لا يوجد شيء لوصفه. تخيّل أنك تكون على بُعد خطوةٍ واحدة من دخول الجنة، وبعدها تجد نفسك في النار.
(يسمعان صرخات تأتي من ناحية الجسر)
الرجل:
ما هذا الصوت؟
زعفر:
اجلس. سوف تعتاد عليه.
الرجل:
(يأخذ بضع خطوات إلى الأمام)
زعفر:
احذر.
الرجل:
ما هذا؟ لماذا يوجد ميزان في ذلك الجسر؟
(صمت)
الرجل:
تكلّم.
زعفر:
هذا الجسر تمرّ عليه كلُّ الأرواح، وفي نهايته يوجد ملكان وميزان يزنان فيه كلَّ أفعال هذه الروح، إن كانت صالحة أم طالحة...
الرجل:
وما بك ترتجف وأنت تتكلم، كأنك ممن يُسألون على ذلك الجسر؟
زعفر:
لأنه لم يُخِفْني أيُّ شيءٍ في حياتي غير ذلك اليوم الذي سوف أقف فيه بين الملكين وهذا الميزان. ماذا سوف يحصل لي عندما تأتي تلك اللحظة ويسألونني...؟
الرجل:
أكيد عندما يقف ولدي هناك ستميل كفة الميزان، لأنه نقيٌّ كنقاء الماء، وأبيضُ ككفنه وقماطه.
(يتنهّد)
(يقوم ليأخذ بضع خطوات إلى الأمام، وهو يلتفت فيجد ولده فيصرخ)
ولدي!
(يحاول أن يذهب إليه فيقف أمامه زعفر)
الرجل:
ابتعد عن طريقي، وإلا قطعتُ نياط قلبك.
زعفر:
لا أستطيع، فلا يذهب إلى هناك سوى الأرواح، وأنت لستَ بروح.
الرجل:
إذا جُرِّدتُ من جسدي...
زعفر:
أتريد قتل نفسك وحرمان ذريتك المتبقية منك؟
الرجل:
نعم.
(يتنحّى عنه زعفر، فيركض الرجل. وهو يركض ينشقّ الفراغ، فيذهب داخله ليجد نفسه في صحراء قاحلة. يلتفت وراءه ليجد زعفر)
الرجل:
ما هذا المكان؟ أين ولدي؟
زعفر:
سآخذك إلى ولدك، لكن بعد أن ترى هذا.
(يلوّح بيده زعفر)
زعفر:
انظر، أترى هؤلاء السبايا؟
الرجل:
نعم.
زعفر:
وانظر أيضًا إلى هؤلاء الرجال كيف يضربون الأطفال والنساء. أترى تلك السيدة التي تقف في مقدمة هذا السير؟
الرجل:
نعم.
زعفر:
أترى كيف تتلقى السياط بدلًا من الأطفال؟
الرجل:
ما هذا يا ربّي؟
زعفر:
انظر في هذه الناحية، انظر إلى هذا الشاب المدجّج بالجراح، وانظر إلى هذا الفتى المضروب على رأسه، وانظر هناك إلى ذلك الفارس الذي قُطعت كفّاه وأصيبت عينه، وانظر أيضًا إلى ذلك الطفل الرضيع الذي قُتل بسهم، وانظر إلى هذا الرجل الذي تقطّعت أوصاله. أتعرف أن كل هؤلاء هم إخوة، وأبناء إخوة هذه السيدة التي كانت في بداية المسير، شاهدةً كلَّ ذلك، وسُبيت على يد قتلة كل ذريتها، ولم تقتل نفسها مثل ما تريد فعله أنت. بل العكس، أصبحت هي مَن تدافع عن ذريتها المتبقية.
(صمت)
الرجل:
وأنت كيف عرفت كل هذا؟
زعفر:
لأني كنتُ أحد الجنود المتخاذلين. وجئتُ إلى هنا، وكان معي عشرة آلاف جندي، ولكنه لم يسمح لنا.
الرجل:
لماذا؟
زعفر:
لا أعرف، لكنه قال لي إنكم ترونهم وهم لا يرونكم. كنتُ سأتمثّل بأي هيئةٍ خُلقتُ لكي يوافق، لكنه أبى. لا أعرف... إني عاصٍ لربي لدرجة أنه لم يكتب لي الشهادة في هذا اليوم. هذا هو ذنبي العقيم الذي أحمله من تلك اللحظة وحتى الآن.
الرجل:
وشاهدةٌ يقتل؟
زعفر:
وشاهدةُ رأسه على الرمح، وشاهدةُ عياله تُسبى على يد أنجس الخلق.
زعفر:
لا أعرف ماذا فعلتُ ليمنعني ربي من مناصرته، لذلك قلتُ لك: ذنبي لا يُغتفر.
(ثم ينشقّ الفراغ ليخرجوا منه)
انتهت

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: