مسرحية أنا أنا بين ديمومة التجربة وحدود الخيال
أولاً لا بد من الإشارة إلى قيمة هذا الاشتغال وإلى الاحترام الذي يستحقه الجهد المبذول في صناعة عرض مسرحي صادر عن أسماء تنتمي إلى أجيال راسخة في المسرح العراقي راكمت عبر سنوات طويلة من التجربة والمعرفة والتجريب غير أن هذا التقدير يقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً هل للإبداع والخيال عمر محدد؟ أم أن التجربة المسرحية كلما تقدمت بها السنوات ازدادت مطالبةً بالتجدد والمغامرة
تبدو أنا أنا محاولة لتأكيد حضور التجربة المسرحية العراقية واستمراريتها إلا أن العرض في بعض مفاصله بدا مفتقراً إلى الرؤية الإخراجية المنتظمة التي تمنح عناصره وحدة فكرية وجمالية متماسكة فالإخراج لا يكتفي بجمع العناصر فوق الخشبة بل يعيد تشكيلها ضمن منظومة دلالية تجعل الحركة والصوت والصمت والزمن جزءاً من خطاب واحد
ومن أكثر العناصر التي أثارت التساؤل دخول الصوت في بعض اللحظات إذ بدا غير مبرر درامياً بشكل واضح ولم يتولد من حاجة داخلية في بنية المشهد الأمر الذي جعله أقرب إلى عنصر مضاف منه إلى ضرورة جمالية أو درامية والصوت حين يدخل إلى العرض المسرحي ينبغي أن يمتلك وظيفة تتجاوز الحضور السمعي أن يضيف معنى أو يخلق تحولاً أو يعمّق الحالة الشعورية
كما يواجه العرض إشكالية واضحة في الإيقاع المسرحي إذ لم تتشكل حركة زمنية متصاعدة تحافظ على انتباه المتلقي مما أدى في بعض المراحل إلى شعور الجمهور بالرتابة والملل. والإيقاع ليس سرعة الحركة فحسب بل هو هندسة العلاقة بين الصمت والكلام، السكون والفعل التوتر والانفراج وعندما يختل هذا الميزان يفقد العرض شيئاً من قدرته على إبقاء المتلقي في حالة إنصات وتأمل
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة التجربة أو من أصحابها بقدر ما تفتح باباً للحوار حول سؤال التجدد في المسرح العراقي فالكبار لا يحتاجون إلى إثبات قدرتهم على الاستمرار بقدر ما يحتاجون إلى تحويل تراكمهم المعرفي إلى أسئلة جديدة، وإلى البحث عن أشكال أكثر جرأة في التعبير
ربما تكون قيمة أنا أنا الحقيقية في أنها تضعنا أمام سؤال لا ينتهي هل تكفي ديمومة الحضور لصناعة الإبداع أم أن الإبداع الحقيقي هو القدرة على إعادة اكتشاف الذات في كل تجربة؟

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: