مأساة النرجس المنفي
نص مونودراما
فصل واحد
عن قصيدة لمحمود درويش
تأليف: عمر عمارة
الشخصية
رجل فلسطيني في أواخر الخمسينيات، لاجئ
منذ سنوات طويلة، يحمل في ملامحه أثر انتظار امتد أكثر مما يحتمل العمر، وفي داخله
ليلة واحدة لم يستطع أن يغلق بابها
الفضاء
خيمة صغيرة قديمة داخل مخيم للاجئين، تكاد
تسقط من شدة القدم والرطوبة، تتدلى من سقفها أقمشة وحبال، وفيها حقيبة ظهر قديمة، مصباح
يدوي صغير، بعض الأغراض اليومية، مفتاح قديم لبيت غادره صاحبه منذ سنوات، وأصيص صغير
مزروع فيه النرجس، خارج الخيمة عالم لا نراه، نسمع منه الريح والمطر وحركة المخيم،
الخيمة مؤقتة في شكلها، لكنها صارت مكانًا طال به الانتظار حتى بدا كأنه وطن لا يريد
الاعتراف بأنه مؤقت
"تبدأ المسرحية تحت صوت ريح شديدة
ومطر بارد، يدخل الرجل مسرعًا وهو مبتل، يحمل الحقيبة على ظهره وأصيص النرجس بين ذراعيه،
يرفع المصباح اليدوي أمامه، يتوقف عند مدخل الخيمة، ينظر إلى سقفها المهتز، ثم إلى
النرجس، يمرر يده على أوراقه ليتأكد من سلامته"
نجونا… هذه المرة أيضًا
"يضع الأصيص في مكان مرتفع، ينزع الحقيبة
ويضعها جانبًا، ثم يتجه إلى أحد أعمدة الخيمة ويمسكه بكلتا يديه"
لا تسقط الليلة
"يشد الحبل، يجرب ثبات العمود، ثم
ينتقل إلى موضع آخر في الخيمة"
أعرفك… منذ سنوات وأنا أعرف أين تضعفين…
قبل أن تسقطي ترفعين صوتك قليلًا
"يشد الحبل بقوة أكبر، ثم يتراجع ليتفقد
الخيمة"
كل شتاء أصلحك… وكل شتاء أقول إنها المرة
الأخيرة… سأجد مكانًا أفضل… سقفًا أقوى… جدارًا لا يهتز مع أول ريح… ثم يأتي الشتاء
التالي فأعود
"ينظر إلى الخيمة طويلًا، ثم يبتسم
ابتسامة عابرة"
لا أعرف من الذي يعود إلى الآخر… أنا إليك
أم أنت إليّ
"تخف حدة المطر قليلًا، يرفع المصباح
إلى السقف، ثم يضع قطعة قماش فوق موضع يتسرب منه الماء"
في البداية كنت أظن أن البيت جدار وسقف
وباب
"يتوقف، ينظر حوله"
ثم عرفت أن الإنسان يستطيع أن يعيش سنوات
طويلة وهو يصلح سقفًا لا يملكه
"يتجه إلى الحقيبة، يفتحها، يخرج بعض
الأغراض اليومية، يرتبها بعناية ثم يعيد بعضها إلى مكانه"
هذه بقيت… وهذه بقيت… وهذا أيضًا
"يمسك غرضًا صغيرًا، يتأمله لحظة،
ثم يعيده إلى الحقيبة"
أشياء لا قيمة لها عند أحد… لكنها عندي
أثقل من الحقيبة كلها
"يغلق الحقيبة ببطء"
كلما طال الطريق خفت الأشياء… وثقل ما لا
يُرى
"يتجه إلى أصيص النرجس، يجلس أمامه،
يتفقد التراب ويمسح قطرات الماء عن حافته"
أنت لا تحبين الماء الكثير
"يتأمل الزهرة، ثم يبتسم ابتسامة هادئة"
كانت تعرف ذلك
"يمرر أصابعه فوق حافة الأصيص"
كانت تجلس أمامك كل صباح… تنتظر أن تفتحي
"يتغير صوته قليلًا وهو يستعيد ذكرى
قديمة"
كانت تسألني متى تفتح… فأقول عندما يحين
وقتها… فتسألني ومن يحدد الوقت؟
"يضحك بخفة، ثم يتوقف فجأة"
لم أكن أعرف
"ينظر إلى النرجس"
كانت تسأل عن كل شيء… إلى أين نذهب؟… متى
نعود؟… هل يبقى البيت كما هو؟… هل سنجد الباب مفتوحًا؟
"ينخفض صوته"
وكنت أجيب
"يصمت لحظة"
كنت أجيب دائمًا
"يدخل يده في جيبه، يخرج المفتاح القديم،
يضعه في كفه، يوجه إليه ضوء المصباح"
هذا كان يكفي
"يقلب المفتاح بين أصابعه"
مفتاح البيت
"يتأمله طويلًا"
قالوا لي يومها خذه… ربما تحتاجه يومًا
"تظهر على وجهه ابتسامة مريرة"
لم أفهم يومها أن كلمة "يومًا"
يمكن أن تصبح عمرًا كاملًا
"ينهض، يتجه إلى مدخل الخيمة، يرفع
المفتاح نحو الخارج، كأنه يحاول أن يرى من خلال الظلام بابًا بعيدًا"
كنت أعرف الباب… أعرف الخشب… العتبة… النافذة…
المكان الذي كانت تجلس فيه
"يخفض المفتاح قليلًا"
كنت أعرف البيت أكثر مما أعرف وجهي الآن
"ينظر إلى المفتاح"
لكنني لم أعرف شيئًا واحدًا
"يتوقف"
متى تنتهي العودة
"يعيد المفتاح إلى جيبه، ثم يعود إلى
النرجس"
عندما خرجنا… كان هذا معك
"يمسك الأصيص بحذر"
كنت تحملينه بصعوبة… قلت لك اتركيه
"يصمت لحظة"
رفضت
"يبتسم ابتسامة قصيرة"
قلت لك سنعود إليه
"تتغير ملامحه"
سألتني… متى؟
"ينظر إلى الأرض"
قلت… غدًا
"يمر وقت قصير"
كنت أملك كلمة واحدة… فقلتُها
"يضع الأصيص أمامه، ثم ينهض ببطء"
في تلك الليلة خرج الجميع بسرعة
"يتغير جسده، كأنه يستعيد طريقًا قديمًا،
يمد يده إلى الأمام"
أصوات في كل اتجاه… أقدام… أبواب تُغلق…
أطفال… مطر
"تتوقف يده في الهواء"
وكانت يدك في يدي
"ينظر إلى كفه طويلًا"
صغيرة
"يقبض أصابعه كأنه يستعيد ملمس يد
غائبة"
لكنها كانت تمسك بي بقوة
"يتقدم خطوة"
خرجنا
"يتقدم خطوة أخرى"
وكان النرجس معك
"يتوقف فجأة، تتغير ملامحه، ثم يصرف
نظره"
ثم…
"يصمت، يشيح بوجهه عن الجمهور، يتجه
إلى الحقيبة ويغلقها بإحكام"
ليس الآن
"يعود إلى النرجس، يجلس إلى جواره"
أخبرتك أنني سأحكي لك عندما نصل
"تظهر ابتسامة حزينة على وجهه"
لكننا لم نصل
"تهب ريح أقوى، تتحرك أطراف الخيمة،
يرفع رأسه نحو السقف"
لا تبدأ الآن
"ينهض بسرعة، يمسك أحد الحبال، يحاول
تثبيته"
هذه الخيمة صمدت أكثر مما ينبغي
"يسقط قليل من الماء قرب النرجس، فيسارع
إلى حمل الأصيص ونقله إلى مكان أكثر أمانًا"
لا تخافي
"يضع قطعة القماش حول الأصيص لحمايته
من الماء"
هذه المرة لن تبقي عند الباب
"ينظر إلى يده، ثم إلى الفراغ أمامه"
تعلمت شيئًا متأخرًا
"يخرج المفتاح من جيبه"
أن الأشياء التي نتركها خلفنا لا تبقى خلفنا
"يضع المفتاح أمامه"
تحملنا معنا
"تشتد الريح، يمسك أحد أعمدة الخيمة"
كنت أقول إنني أصلح الخيمة
"يشد الحبل"
لكنني كنت أصلح شيئًا آخر
"يشد الحبل مرة ثانية"
كل حبل أربطه… أرى يدي وهي تمسك يدك
"يتوقف، ينظر إلى كفه"
وكلما أفلت الحبل من يدي… أسمع صوتك
"يلتفت نحو مدخل الخيمة"
أبي…
"يتجمد لحظة، ثم يهز رأسه"
لا
"يعود ببطء إلى مكانه"
لم أسمعها
"ينظر إلى الجمهور"
أو ربما سمعتها
"يصرف عينيه"
لا أعرف
"تسقط قطرات ماء من السقف، يرفع قطعة
القماش فوق النرجس"
لكنني أعرف أنني التفت
"يتوقف، يحدق في الفراغ"
وأعرف أنني رأيت البيت
"يمسك المفتاح"
لم يكن البيت أمامي
"ينظر إلى مكان بعيد"
كان في رأسي
"تغلق يده على المفتاح"
رأيت الباب… النافذة… الجدار… كل شيء
"يتنفس ببطء"
وفي لحظة واحدة… نسيت الطريق
"تضرب الريح الخيمة بقوة"
كنت أستطيع أن أعود
"يصمت"
لكنني لم أعد
"ينظر إلى يده"
هذه هي الحقيقة
"يصمت طويلًا"
لا أعرف أين ذهبت يدك بعد ذلك
"ينظر إلى النرجس"
ولا أعرف إن كنت ناديتِني مرة أخرى
"يتراجع خطوة"
كل ما أعرفه أنني حملت هذا
"يرفع المفتاح"
ولم أحمل يدك
"يسقط المفتاح من يده على الأرض"
ومنذ ذلك اليوم وأنا أبحث عن اللحظة التي
كان يمكنني فيها أن أعود
"ينحني لالتقاط المفتاح، ثم يتوقف
قبل أن يلمسه"
لكن كلما عدت في ذاكرتي… وجدتني واقفًا
أمام الباب
"يرفع المفتاح"
ولست معها
"تهب عاصفة قوية، تتمايل الخيمة بعنف،
يندفع إلى أحد الأعمدة ويتمسك به"
لا
"يشد العمود بكل قوته"
ليس الليلة
"تضرب الريح الخيمة من جانبها، يحاول
تثبيت الحبال"
لن تسقط
"يسقط أحد الحبال، يندفع نحوه"
لن تسقط
"يحاول ربط الحبل بسرعة"
أخذتم البيت…
"تشتد العاصفة"
أخذتم الطريق…
"يسقط المفتاح بعيدًا"
أخذتم السنوات…
"ينظر إلى النرجس"
لكن هذا لا
"يمسك الأصيص ويحمله إلى صدره"
هذا لن تأخذوه
"يعيد الأصيص إلى مكانه، ثم يمسك طرف
الخيمة بكلتا يديه"
سنوات وأنا أتمسك بشيء
"تضرب الريح الخيمة بعنف"
كنت أظن أن التمسك يعني النجاة
"يحاول تثبيت أحد الأعمدة بجسده"
ثم اكتشفت أن بعض الأشياء لا يمكن الإمساك
بها
"ينظر إلى النرجس، ثم يتقدم نحوه وسط
الريح"
لكن يمكن حمايتها
"يمد يده نحو الأصيص"
لن أتركه
"تشتد العاصفة، تنفصل قطعة من الخيمة،
يتشبث بها"
لن أتركه
"يحاول الوصول إلى النرجس، بينما تهتز
الخيمة بعنف"
هذه المرة لن أهرب
"تقتلع الريح أحد الأعمدة، يمسك الرجل
بطرف الخيمة، يحاول تثبيتها بجسده"
لا
"تتراجع الخيمة من مكانها تحت قوة
العاصفة"
لا
"يمد يده للمرة الأخيرة نحو النرجس"
لا تأخذوه
"تقتلع العاصفة الخيمة بعنف، ينسحب
الرجل معها إلى الخارج، تختفي الخيمة والرجل معًا، ويبقى أصيص النرجس في مكانه"
"تهدأ أصوات العاصفة تدريجيًا، ويبقى
المصباح اليدوي على الأرض، مائلًا، وشعاعه يصل إلى النرجس"
"لا أحد يدخل"
"لا يعود الرجل"
"لا تعود الخيمة"
"لا تتحرك الحقيبة"
"لا يظهر المفتاح"
"يبقى النرجس وحده"
"يتحرك شعاع المصباح قليلًا، ثم يستقر
على الزهرة"
"تتراجع الإضاءة المحيطة تدريجيًا،
حتى لا يبقى في الفضاء سوى النرجس داخل شعاع المصباح"
"يبقى النرجس ثابتًا… ويبقى المصباح
إلى جواره… والفضاء خاليًا"
"ينتهي كل شيء على صورة النرجس في
ضوء المصباح"
نهاية
تأليف:
عمر عمارة
الجلفة
– الجزائر
حقوق
النص محفوظة للمؤلف
لا
يُسمح بالاقتباس أو التعديل أو الاشتغال على النص إلا بإذن مسبق من المؤلف
للتواصل
omar.amara122@gmail.com

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: