نص مونودراما النقطة تأليف: عمر عمارة

نص مونودراما النقطة تأليف: عمر عمارة
مصطفى عماد
كتب بواسطة:
مصطفى عماد
دار النص المسرحي
محتويات المقال

  النقطة



نص مونودراما


فصل واحد


تأليف: عمر عمارة



الشخصية

رجل




المشهد الأول


المكان:

 فضاء أسود مجرد لا يوحي بمكان واقعي ولا بزمن محدد، أرضيته سوداء مطفأة قابلة للرسم بالطبشور الأبيض، وخلفيته سوداء خالية من أي عنصر، وفي منتصف الخشبة نقطة بيضاء صغيرة مرسومة على الأرض، تحيط بها دائرة ضوء ضيقة جدًا، بينما يبقى باقي الفضاء في إضاءة خافتة تكاد لا تكشف حدوده، لا يوجد في المكان كرسي ولا طاولة ولا باب ولا نافذة، وكل ما سيظهر لاحقًا من خطوط وعلامات سيكون من صنع الرجل نفسه، فيتحول المكان تدريجيًا إلى خريطة لحياته وذاكرته، وتكون النقطة مركز هذا العالم كله


الرجل 

"يظهر تدريجيًا من طرف الخشبة، يمشي بحذر كمن يدخل مكانًا لا يعرفه، تتبعه إضاءة رواقية ضيقة تمتد أمامه على الأرض، يتوقف لحظة، يرفع رأسه ويتفحص الفراغ المحيط به، ثم تقع عيناه على النقطة الموجودة في منتصف الخشبة، يتقدم نحوها ببطء، ينحني قليلًا دون أن يلمسها، ثم يجلس على ركبتيه أمامها، يقترب بوجهه منها وكأنه يرى شيئًا للمرة الأولى"

هذه...

"يمد إصبعه نحو النقطة، يتردد قبل أن يلمسها، ثم يسحب يده فجأة، ينظر حوله كأنه يخشى أن يكون أحد قد رآه"

هذه أنا... أنا؟... أم أنها كانت هنا قبلي؟... غريب... نقطة صغيرة... لا شيء تقريبًا... ومع ذلك أشعر أنها تعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي... "يلمس النقطة بطرف إصبعه، ثم ينظر إلى إصبعه كأنه يبحث فيه عن أثر" لا اسم لها... لا شكل لها... لا صوت... لا ماضٍ أستطيع أن أسأله عنه... ومع ذلك بمجرد أن رأيتها شعرت أنني أعرفها... أو ربما شعرت أنها تعرفني

"ينهض ببطء، يبتعد عنها خطوات قليلة، ثم يلتفت إليها من جديد، تتحرك الإضاءة معه في رواق ضيق ثم تعود إلى النقطة"

كل شيء في حياتي كان يتحرك... ذهبت إلى هناك... ثم عدت من هناك... اقتربت... ابتعدت... أحببت... كرهت... أخذت... أعطيت... ربحت... خسرت... كنت دائمًا في حركة... دائمًا في طريق... دائمًا أبحث عن شيء لا أعرف اسمه... "يمشي في دائرة حول النقطة، ثم يتوقف" كنت أقول... هذا طريقي... ثم أقول... لا... هذا ليس طريقي... فأغيره... أغيره مرة... ومرتين... وعشرًا... حتى نسيت لماذا بدأت السير أصلًا... "ينظر إلى النقطة طويلًا" لكن هذه بقيت... لم تتحرك... لم تطلب مني أن أذهب إليها... لم تقل لي تعال... لم تقل لي ابتعد... بقيت هنا فقط... وأنا الذي ذهبت بعيدًا... بعيدًا جدًا حتى أصبحت المسافة بيني وبينها أكبر من كل الطرق التي قطعتها

"ينحني ويلتقط قطعة طبشور بيضاء موضوعة قرب النقطة، يقف فوقها دون أن يلمسها، ينظر إلى الطبشور ثم إلى النقطة"

ربما بدأت منها...

"يرسم أول خط يخرج من النقطة إلى الأمام، ببطء شديد، ثم يتراجع خطوة ليراه كاملًا، تتسع الإضاءة قليلًا على امتداد الخط"

هكذا بدأت... خط واحد... في البداية كان كل شيء واضحًا... كنت أعرف إلى أين أذهب... كنت أعرف ماذا أريد... كنت أعرف من أنا... أو كنت أظن أنني أعرف... "يتقدم على امتداد الخط، وتتبع الإضاءة خطواته" ثم جاء الطريق... وأنا مشيت

"يعود إلى النقطة، يضع الطبشور عندها، ثم يرسم خطًا ثانيًا في اتجاه مختلف، يتبعه بجسده، وتتحرك الإضاءة معه من النقطة إلى نهاية الخط"

ذهبت إلى هنا... لأنني ظننت أن هناك شيئًا ينتظرني... "يتوقف عند نهاية الخط وينظر إلى الفراغ" لم يكن هناك شيء... "يعود ببطء إلى النقطة" فعدت... ثم رأيت طريقًا آخر... "يرسم خطًا ثالثًا أطول من السابق" قلت... ربما هذا هو... مشيت... ومشيت... وكلما مشيت قلت لنفسي... لا تتوقف... لأن التوقف يعني أنك لم تصل... "يسرع في مشيه ثم يبطئ فجأة" كنت أظن أن الطريق التالي سيكون أفضل... البيت التالي... العمل التالي... المدينة الأخرى... الحب الآخر... الحياة الأخرى... كنت أعيش في كلمة واحدة... بعد... بعد أن أصل سأرتاح... بعد أن أنجح سأعيش... بعد أن يحبني أحد سأطمئن... بعد أن يعرفوا قيمتي سأصبح شيئًا... "يضحك بسخرية مريرة" كنت دائمًا بعد... حتى نسيت أن أعيش الآن... نسيت أن هناك لحظة اسمها الآن... وأن الإنسان حين يؤجل نفسه كثيرًا... قد يأتي يوم يبحث فيه عنها فلا يجدها

"يجلس قرب الخطوط، يمرر كفه فوق أحدها دون أن يمحوه"

كنت أبحث عن نفسي في المستقبل... وأترك نفسي في الطريق... كل مرة كنت أصل فيها إلى شيء... كنت أضع أمامي شيئًا آخر... وكلما اقتربت من شيء... ابتعدت عن شيء آخر... حتى صار عندي الكثير... كثير من الأشياء... كثير من الأسماء... كثير من الوجوه... كثير من الذكريات... "يرفع رأسه نحو الجمهور" ومع ذلك... كنت أشعر أنني فارغ... "يعود بنظره إلى النقطة" لماذا؟... لأنني لم أسأل نفسي السؤال الوحيد الذي كان يستحق أن أسأله... أين أنا الآن؟... "يبتسم بمرارة" كنت مشغولًا دائمًا بالسؤال... إلى أين؟

"يتحرك بين الخطوط، يرفع الطبشور، يبدأ في إضافة خطوط جديدة بسرعة، بعضها مستقيم وبعضها متعرج وبعضها ينتهي فجأة، تتسع الإضاءة تدريجيًا لتكشف عددًا أكبر من العلامات على الأرض، ويصبح الرجل محاطًا بخريطة صنعها بنفسه"

هذا أنا عندما أحببت... "يرسم خطًا طويلًا وناعمًا" وهذا عندما فقدت... "يقطع الخط بخط قصير" وهذا عندما انتصرت... "يرسم خطًا صاعدًا" وهذا عندما سقطت... "يرسم خطًا هابطًا" وهذا عندما كذبت... "يرسم خطًا يلتف حول نفسه" وهذا عندما قلت الحقيقة... "يتوقف، ينظر إلى الطبشور، ثم يرسم نقطة صغيرة أخرى" أو هكذا ظننت... "ينظر إلى النقطة الجديدة لحظة ثم يمحوها بسرعة" لا... ليست هذه... "يرفع رأسه نحو النقطة الأصلية" هذه... دائمًا هذه... "يتجه إليها، لكنه يتوقف عندما تعترض طريقه الخطوط الكثيرة" لماذا تبدو بعيدة؟... أنا لا أحتاج إلا إلى خطوات... لكن هذه الخطوات تبدو كأنها سنوات... "يحاول العبور بين الخطوط دون أن يلمسها، ينجح للحظات ثم تعلق قدمه بأحدها، يتوازن بصعوبة" كنت أظن أن الأشياء هي التي تعيقني... الناس... الظروف... الحظ... الوقت... الذين سبقوني... والذين وقفوا في طريقي... كنت أقول... لو لم يحدث كذا لكنت هنا... لو لم يفعل فلان ما فعل لكنت مختلفًا... لو أعطاني العالم فرصة أخرى لكنت رجلًا آخر... "ينظر إلى الخط الذي تعثرت فيه قدمه" لكنني الآن أرى... أنني أنا من رسم كل هذا... "يجلس على الأرض، يمرر يده بين الخطوط" أنا من وضعت هذا الخط هنا... وهذا هنا... وهذا هنا... "يتابع الخطوط بإصبعه كمن يقرأ خريطة قديمة" كنت أرسم الطريق كلما خفت... وأرسم طريقًا آخر كلما ندمت... ثم أرسم ثالثًا كي أنسى الطريق الأول... حتى أصبحت الخريطة أكبر مني... "يرفع وجهه إلى الجمهور" وأنا... ضعت فيها... لم يعد السؤال أين ينتهي الطريق... أصبح السؤال... أين انتهيت أنا؟

"يقف الرجل في وسط شبكة الخطوط، يرفع الطبشور، ثم ينظر إلى النقطة الأولى، تتراجع الإضاءة عن أجزاء من الخشبة وتبقى النقطة واضحة، يبدأ بمحاولة الوصول إليها، يختار خطًا ثم يتبعه"

هذا هو الطريق... "يمشي على الخط ثم يتوقف فجأة" لا... هذا... "يسلك خطًا آخر ثم يتراجع" لا... هذا أيضًا ليس هو... "يتنقل بين الخطوط بسرعة متزايدة ثم يعود إلى النقطة التي بدأ منها" كم طريقًا أحتاج؟... واحدًا؟... عشرة؟... ألفًا؟... كلها؟... "ينظر إلى الخطوط المنتشرة حوله" كلما رسمت طريقًا جديدًا... ابتعدت أكثر... "ينظر إلى يده الملطخة بالطبشور" مضحك... كنت أبحث عن نفسي... بيدي... "يمسح يده في ثوبه فتترك أثرًا أبيض واضحًا" حتى يدي تحمل خطوطًا... "يفتح كفه أمام عينيه" هل الإنسان مجموعة خطوط؟... خط العمر... خط الوجه... خط اليد... خط الطريق... خط الميلاد... خط النهاية... "يغلق يده ببطء" أم أن الإنسان هو النقطة التي تقع بينها كلها؟... "يتجه نحو النقطة، يخطو خطوة ثم تتوقف حركته عندما يرى خطًا يقطع طريقه" من رسم هذا؟... "ينظر إلى الخط ثم إلى يده" أنا... "يمسح جزءًا منه بقدمه" ومن رسم هذا؟... أنا... "يمسح خطًا آخر" وهذا؟... أنا... "يبدأ في مسح عدة خطوط بقدميه ويديه، لكن كلما محا خطًا ظهرت آثار خطوط أقدم تحته" كم مرة رسمت نفسي؟... كم مرة قلت... هذا أنا؟... ثم اكتشفت بعد سنوات أنني لم أكن أنا... "ينهض ببطء، يحدق في الخطوط" ربما لم تكن المشكلة أنني لم أعرف نفسي... ربما المشكلة أنني كنت أصر على أن أكون شخصًا واحدًا طوال الوقت... كنت أريد صورة ثابتة لرجل لا يتغير... لا يخاف... لا يضعف... لا يندم... لا يخطئ... وحين كنت أكتشف أنني لست ذلك الرجل... كنت أرسم فوقي رجلًا آخر

"يتعب الرجل، يجلس على الأرض وسط الخطوط، يضع الطبشور بجانبه، يراقب النقطة من بعيد، تتجه إضاءة ضيقة من النقطة نحوه، بينما تتراجع الإضاءة عن بقية الفضاء، يرفع رأسه ببطء"

ربما أخطأت السؤال... "يتقدم على ركبتيه قليلًا" لم يكن السؤال... إلى أين أذهب؟... كان السؤال... من أين جئت؟... "ينظر إلى النقطة" من أين بدأت؟... من أول بيت؟... من أول اسم ناداني به أحد؟... من أول يد أمسكت بيدي؟... من أول كلمة قلتها؟... من أول مرة خفت؟... من أول مرة شعرت أنني مختلف؟... من أول مرة حاولت أن أثبت للعالم أنني أستحق أن أكون هنا؟... "يضع يده على رأسه، يحاول استدعاء ذاكرة بعيدة" كلما رجعت إلى الوراء... وجدت بداية جديدة... وكل بداية كانت تقول لي... قبلها بداية أخرى... كأن حياتي سلسلة من الأبواب... وكلما فتحت بابًا وجدت وراءه بابًا آخر... "ينهض ببطء، يلتقط الطبشور، يقف عند أحد الخطوط" ربما البداية هنا... "يرسم نقطة فوق الخط" أم هنا... "يرسم نقطة ثانية" أم هنا... "يرسم نقطة ثالثة" كلما حاولت تحديد البداية... ولدت بداية جديدة... "ينظر إلى النقاط الثلاث ثم يبدأ في محوها واحدة بعد أخرى" لا... لا... لا... "يمحوها حتى لا يبقى منها شيء، ثم يرفع عينيه إلى النقطة الأصلية" هذه لم أرسمها... "يتقدم نحوها ببطء" إذن... من رسمها؟... "يقترب أكثر، ينحني، يضع يده فوق النقطة دون أن يمحوها، ثم يرفع يده ببطء، وكأنه يخشى لمس شيء مقدس" من متى وأنت هنا؟... قبل كل هذه الخطوط؟... قبل كل هذه الطرق؟... قبل أن أعرف اسمي؟... قبل أن أعرف ماذا أريد؟... قبل أن أعرف ماذا يريدون مني؟... كنت هنا قبل أن أتعلم كيف أقول... أنا... "تتسع دائرة الضوء قليلًا لتجمع الرجل والنقطة في فضاء واحد، بينما تختفي تفاصيل الخطوط من حولهما في الظل" كنت هنا قبل أن أعرف نفسي... كنت هنا قبل أن أبدأ في صناعة الصورة التي سميتها أنا... "يجلس إلى جوار النقطة، يضع الطبشور أمامه دون أن يستخدمه" إذن ربما لم أكن أبحث عن البداية... "ينظر إلى النقطة طويلًا" كنت أبحث عن شيء لم يغادرني أصلًا... "يمرر يده فوق الأرض بين الخطوط والنقطة دون أن يمسح شيئًا" كل هذه الخطوط... كنت أظن أنها حياتي... لكنها كانت فقط آثار الطريق... "يرفع عينيه نحو الجمهور ثم يعود بنظره إلى النقطة" أما أنا... "يقترب من النقطة حتى يصبح وجهه فوقها مباشرة، وتتركز الإضاءة عليها وعلى ملامحه" فربما كنت هنا... منذ البداية




المشهد الثاني

رجل


"يبقى الرجل جالسًا إلى جوار النقطة، يرفع رأسه ببطء، يتأمل الخطوط المنتشرة حوله، ثم يمد يده إلى أقرب خط ويمرر إصبعه فوقه، تتسع الإضاءة تدريجيًا لتكشف الخريطة كاملة، بينما تبقى النقطة أكثر وضوحًا من كل ما حولها"

كنت أظن أنني وصلت... أتذكر ذلك جيدًا... كنت أصل إلى شيء فأقف أمامه وأقول... هذا هو... هذه هي النهاية التي كنت أبحث عنها... ثم لا تمر أيام حتى أشعر أنني لم أصل إلى شيء... فأبدأ من جديد... كنت أظن أن المشكلة في الطريق... أغير الطريق... ثم أكتشف أن المشكلة في المكان... أغير المكان... ثم أظن أن المشكلة في الناس... أبتعد عنهم... ثم أعود إليهم... وبعد كل هذا... أكتشف أنني كنت أحمل المشكلة معي أينما ذهبت... "ينهض ببطء، يتقدم فوق أحد الخطوط ثم يتوقف عند نهايته" كنت أقول... عندما أصل سأرتاح... عندما أنجح سأطمئن... عندما يحبونني سأشعر أنني موجود... عندما يعرفون قيمتي سأعرف قيمتي... كنت أطلب من العالم أن يعطيني شهادة تثبت أنني أنا... "يبتسم بسخرية ويمسح أثر الطبشور عن يده" وما أغرب الإنسان... يقضي عمره في انتظار أن يقول له الآخرون من يكون... فإذا قالوا له... صدقهم... وإذا غيروا رأيهم... تغير معهم... "ينظر إلى الجمهور مباشرة" وأنا كنت واحدًا منهم... كنت أعيش كما يريدون... وأغضب كما يريدون... وأفرح كما يريدون... وحتى حين كنت أتمرد... كان تمردي يحمل شيئًا من صورتهم عني... "يعود بنظره إلى النقطة" أما هنا... فلا أحد يقول لي شيئًا... لا أحد يصفني... لا أحد يمنحني اسمًا... ولا أحد يستطيع أن يرسم لي خطًا جديدًا... ولهذا أخاف منها... "يتراجع خطوة عن النقطة" أخاف من النقطة لأنها لا تطلب مني أن أكون شيئًا... تتركني فقط... كما أنا... وأنا لا أعرف كيف أكون كما أنا... "ينظر إلى يديه" تعلمت طوال حياتي كيف أكون كما يريدون... ولم أتعلم مرة كيف أكون كما أنا

"يتحرك الرجل بين الخطوط، يتوقف عند خط طويل، ينحني نحوه، ثم يرسم بجانبه خطًا موازيًا، تتغير الإضاءة إلى مساحة أكثر دفئًا حوله، تظهر على وجهه ملامح ذكرى بعيدة"

هنا أحببت... كنت صغيرًا في قلبي وأنا أحب... كنت أصدق أن الحب يجعل الإنسان كاملًا... ثم اكتشفت أنني كنت أريد من الحب أن يملأ الفراغ الذي لم أجرؤ على النظر إليه... كنت أريد شخصًا آخر كي يقول لي... أنت كاف... أنت جميل... أنت مهم... أنت تستحق... "يمرر يده على الخط الذي رسمه" وحين أحببت... لم أكن أعرف كيف أحب... كنت أعرف كيف أتعلق... كيف أخاف من الفقد... كيف أراقب... كيف أشك... كيف أطلب من الآخر أن يبقى حتى لا أضطر إلى مواجهة وحدتي... "يتراجع قليلًا، ينظر إلى الخط" ثم رحل... وقلت... أخذ مني شيئًا... "ينحني ويمحو جزءًا من الخط" لكنه لم يأخذني... أخذ فقط الوهم الذي كنت أعيش عليه... "يمحو جزءًا آخر" وهنا خسرت... "تتغير الإضاءة وتضيق على وجهه" وفي هذا المكان انتصرت... "يشير إلى خط آخر" وفي هذا المكان بكيت... وفي هذا المكان ضحكت... وفي هذا المكان قلت الحقيقة... وفي هذا المكان كذبت على نفسي... "يتنقل بين الخطوط، وكل خط يوقظ في جسده حالة مختلفة" كل هذه الأشياء حدثت... نعم... كلها حدثت لي... لكنني الآن أسأل... إذا أخذنا منها الحب... والخوف... والنجاح... والفشل... والناس... والذكريات... فما الذي يبقى؟... "يتوقف، ينظر إلى النقطة" لماذا لا أجد الجواب في أي خط؟... لماذا كلما بحثت في حياتي... وجدت أحداثًا كثيرة ولم أجدني؟... "يضع يده على صدره" ربما لأنني كنت أبحث عن نفسي في الأشياء التي حدثت لي... ولم أبحث في الذي كان حاضرًا أثناء حدوثها كلها... "تتغير ملامحه فجأة" لكن ماذا لو كان ما أسميه أنا... مجرد مجموع ما حدث؟... ماذا لو أخذنا كل شيء... ولم يبق شيء؟... هل أبقى؟... "يتراجع عن النقطة" أم أنني أخاف من السؤال أكثر مما أخاف من الجواب؟

"يقف الرجل أمام النقطة، تفصل بينه وبينها مسافة قصيرة، تتراجع الإضاءة عن الخطوط المحيطة حتى تصبح مجرد آثار باهتة، بينما تتشكل أمام الرجل مساحة ضوء واضحة تقوده نحو النقطة، يرفع قدمه ثم يخفضها، يتقدم نصف خطوة ثم يتراجع، يظهر على وجهه صراع حاد بين الرغبة في الاقتراب والخوف من اكتشاف الحقيقة"

طوال حياتي كنت أخاف من هذه المسافة... مسافة صغيرة جدًا... ومع ذلك لم أستطع عبورها... كنت أعبر مدنًا كاملة... أقطع مسافات طويلة... أغير وجوهًا وأماكن وأعمالًا وأحلامًا... لكن هذه الخطوات القليلة كانت أثقل من كل ما قطعت... لأنني عندما أعبرها... لن يبقى شيء أختبئ خلفه... "ينظر إلى الخطوط خلفه" الطريق كان مريحًا... الطريق يمنحني عذرًا دائمًا... إذا فشلت أقول... الطريق كان صعبًا... إذا تأخرت أقول... لم يأت الوقت المناسب... إذا خسرت أقول... لم يساعدني أحد... إذا ضعت أقول... لم يدلني أحد... "ينظر إلى النقطة" لكن النقطة لا تسمح لي بكل هذه الأعذار... هي لا تقول شيئًا... ولهذا تقول كل شيء... "يتقدم خطوة ثم يتراجع بسرعة" لا... لا أستطيع... "ينظر خلفه إلى الخطوط" أستطيع أن أعود... أستطيع أن أرسم طريقًا آخر... أستطيع أن أقول إنني لم أكن مستعدًا... أستطيع أن أختبئ خلف أي شيء... "يلتقط الطبشور بسرعة" انظر... ما زال بإمكاني أن أبدأ من جديد... "يرسم خطًا بعيدًا عن النقطة" هذا طريق آخر... هذا أفضل... هذا أكثر أمانًا... "يتبع الخط خطوات قليلة ثم يتوقف، ينظر إلى نهايته، ثم يعود إلى الوراء ببطء" لا... لا... لقد فعلت هذا من قبل... "يمحو الخط بعصبية" كل مرة أهرب فيها... أعود إلى المكان نفسه... كل مرة أقول سأبدأ من جديد... أكتشف أنني أحمل النهاية القديمة معي... "يرمي الطبشور ثم يلتقطه ثانية" كنت أهرب من الفراغ... نعم... كنت أخاف من الفراغ أكثر من خوفي من الضياع... كنت أحتاج إلى خط بيني وبين نفسي... شيء أتبعه... شيء ألومه... شيء أقول عنه... هذا هو السبب... "ينظر إلى الطبشور في يده" حتى هذا الطبشور... كان أداة للهروب... كلما شعرت أنني ضائع... رسمت... وكلما شعرت أنني فارغ... رسمت... وكلما اقتربت من سؤال لا أريد الإجابة عنه... رسمت خطًا جديدًا حتى أشغل عيني عنه... "يرسم خطًا قصيرًا بينه وبين النقطة، ثم يتوقف، ينظر إليه طويلًا" انظر... حتى الآن أفعلها... أضع خطًا بيني وبينك... "يمسح الخط بيده مباشرة" لا... هذه المرة لا... "تتغير ملامحه إلى انفعال حاد، يضرب الطبشور بالأرض ثم يتراجع" لكنني خائف... خائف من أن أصل ولا أجد شيئًا... خائف من أن أصل فأكتشف أنني قضيت عمري أركض وراء لا شيء... خائف من أن تكون النقطة فارغة... خائف من أن أكون أنا الفارغ... "يضع يده على صدره، يتنفس باضطراب، ثم ينظر إلى النقطة" هل تسمعينني؟... هل هناك شيء فيك؟... أم أنني أنا الذي أضع المعنى فيك لأنني أحتاج إلى معنى؟... "يتقدم خطوة" ماذا لو وصلت ولم أجد الرجل الذي كنت أبحث عنه؟... ماذا لو وجدت رجلًا عاديًا... ضعيفًا... خائفًا... مليئًا بالندوب؟... "يتقدم خطوة أخرى" ماذا لو كان هذا هو أنا؟... "تتغير الإضاءة فتضيق على وجهه ويده وقدميه، بينما يظل ما حوله غارقًا في الظلال" لا أريد أن أكون كاملًا... لا أريد أن أكون الرجل الذي لا يسقط... لا أريد أن أظل أختلق نسخة مني حتى أستحق نفسي... "يتقدم خطوة أخرى" أريد فقط أن أعرف من الذي بقي... "ينظر إلى النقطة" حتى لو لم يعجبني

"يقف الرجل لحظة طويلة أمام النقطة، ثم يرفع قدمه ببطء ويضعها إلى جوارها، بعدها يركع، يضع يده على الأرض، وتبدأ إضاءة واسعة وهادئة في كشف الخطوط من جديد"

طوال حياتي كنت أبحث عن شاهد... عن شخص يقول لي إنني موجود... عن عين تراني... عن يد تمسك بي عندما أسقط... ثم اكتشفت أنني كنت أرفض أن أرى نفسي... كيف أطلب من الآخرين أن يعرفوني وأنا أخفي نفسي عني؟... كيف أطلب منهم أن يحبوني وأنا لا أعرف ماذا أفعل بكل هذا الحب؟... "يمرر يده فوق أحد الخطوط" كنت أضع حياتي كلها في أيدي الآخرين... إذا أحبوني كنت موجودًا... إذا رفضوني اختفيت... إذا صفقوا لي ارتفعت... وإذا أداروا ظهورهم انكسرت... "ينظر إلى الجمهور" أي حياة هذه؟... أن تكون مرآة لعيون الآخرين؟... أن أستعير قيمتي من أفواههم؟... "يعود بنظره إلى النقطة" لا... لا أريد ذلك بعد الآن... "ينهض، يتجه إلى أقرب خط، يبدأ في محوه ببطء" هذا الخط... كان خوفي... "يمحوه" وهذا... كان غروري... "يمحوه" وهذا... كان احتياجي إلى أن يصفق لي الآخرون... "يمحوه" وهذا... كان غضبي من الذين لم يفهموني... "يمحوه" وهذا... كان حزني الذي جعلته هويتي... "يمحوه" وهذا... كان الرجل الذي صنعته حتى أبدو قويًا... "يتوقف أمام خط طويل، يمرر يده فوقه دون أن يمحوه مباشرة" أما هذا... فهذا أصعبهم... هذا هو الرجل الذي ظننت أنني يجب أن أكونه... الرجل الذي لا يخاف... الذي لا ينكسر... الذي لا يحتاج... الذي لا يعترف بضعفه... الذي لا يقول... لا أعرف... "تنخفض الإضاءة قليلًا على وجهه، بينما يظل الخط واضحًا" قضيت سنوات أحرس هذه الصورة... وكلما سقطت... أخفيت السقوط... وكلما بكيت... أخفيت الدموع... وكلما احتجت إلى أحد... قلت إنني بخير... كنت أخاف أن يراني الناس كما أنا... "ينظر إلى النقطة" والآن أفهم... كنت أخاف أن تراني أنا كما أنا... "يمسك طرف الخط بيده كأنه يحاول التمسك به، يتردد، ثم يعجز عن مسحه" لا... هذا لا أستطيع... "يجلس بجوار الخط، يمرر يده فوقه" هذا كل ما بنيته... هذا الرجل هو الذي حملني... هو الذي جعلني أواصل... إذا محوته... من سأكون؟... "ينظر إلى الجمهور، يقترب من الانهيار" قل لي... من أكون إذا لم أكن هذا؟... من أكون إذا لم أكن الرجل الذي انتصر؟... من أكون إذا لم أكن الرجل الذي تحمل؟... من أكون إذا لم أكن الرجل الذي لم يبكِ؟... من أكون إذا قلت... أنا خائف؟... "تتغير ملامحه، تلمع عيناه، يضغط بيده على صدره" أنا خائف... "ينخفض صوته، ثم يستعيد قوته" نعم... أنا خائف... وأنا متعب... وأنا لا أعرف... "ينظر إلى النقطة" ولا أعرف ماذا سيحدث إذا تركت كل هذا... "يمرر يده على الخط للمرة الأخيرة" لكنني أعرف شيئًا واحدًا... أنني تعبت من حراسته... "يمحو الخط ببطء شديد، ثم يبقى جاثيًا مكانه" سامحني... "ينظر إلى يده وقد امتلأت بالطبشور" لم أكن أعرف... لم أكن أعرف أن القوة ليست أن تحمل نفسك طوال الوقت... ربما القوة أن تضعها أحيانًا على الأرض وتقول... تعبت... "يرفع يديه أمام الضوء" كل ما محوته كان جزءًا مني... لكنه لم يختف... تحول إلى أثر... "يفتح يديه" وربما لا نحتاج أن نمحو الماضي... نحتاج فقط ألا نسكن فيه... "ينظر حوله إلى الأرض التي بدأت تخلو من الخطوط" هذه الخطوط ستظل شاهدة على أنني مشيت... وعلى أنني أخطأت... وعلى أنني أحببت... وعلى أنني خفت... لكنها لن تكون أنا بعد الآن... "يتجه إلى مركز الخشبة" أنا لست الطريق... أنا الذي عبر الطريق

"يعود الرجل إلى النقطة، يقف بجانبها، ثم يجثو على ركبتيه، يضع راحة يده فوقها دون أن يمحوها، تتجمع الإضاءة في دائرة واحدة تشمل الرجل والنقطة، بينما تتراجع الإضاءة عن بقية الفضاء حتى تصبح الخطوط مجرد آثار بعيدة"

كنت أبحث عن بداية أستطيع أن أضع إصبعي عليها... عن لحظة أقول فيها... هنا ولدت... هنا بدأت... هنا أصبحت أنا... ثم اكتشفت أن البداية ليست حادثة... ليست بيتًا... ليست اسمًا... ليست تاريخًا... البداية أعمق من كل ذلك... "ينظر إلى النقطة" ربما البداية هي تلك اللحظة التي كنت فيها موجودًا قبل أن أعرف أنني موجود... قبل أن يضع العالم فوقي أسماءه... قبل أن يقولوا لي هذا جميل وهذا قبيح... هذا نجاح وهذا فشل... هذا صحيح وهذا خطأ... قبل أن أتعلم أن أقيس نفسي بعيون الآخرين... كنت فقط... أنا... "يرفع يده عن النقطة وينظر إلى راحة يده" نقطة واحدة... صغيرة... لا تملك شيئًا... ولا تحتاج إلى شيء... ومع ذلك حملت كل الخطوط... "يبتسم بهدوء" كل هذه الطرق خرجت منها... وكل هذه الطرق عادت إليها... وأنا كنت أظن أنني كلما ابتعدت صرت أكثر... حتى اكتشفت أنني كلما ابتعدت نسيت أكثر... "ينهض ببطء" الآن فهمت... الإنسان لا يضيع عندما يبتعد عن المكان... يضيع عندما ينسى الأصل الذي خرج منه... "ينظر إلى الخطوط ثم إلى النقطة" كل هذه الخطوط أنا... نعم... لكنها ليست كلّي... هي ما حدث لي... وليست ما أنا عليه... "يتقدم خطوة بعيدًا عن النقطة" هذا خوفي... "يتقدم خطوة أخرى" وهذا حبي... "يتقدم خطوة أخرى" وهذا فشلي... "يتقدم خطوة أخرى" وهذا انتصاري... "يتوقف ثم يلتفت إلى النقطة" وكلها يمكن أن تبقى خلفي... لأنني عرفت الآن أين أعود... "يعود خطوة واحدة نحو النقطة" كل الطرق التي قطعتها... كانت محاولة للعودة إلى نقطة واحدة... "ينحني، يلمس النقطة بطرف إصبعه، ثم يبتسم" كنت أبحث عن البداية... "يرفع رأسه" فوجدتني... "يتراجع ببطء، دون أن يدير ظهره للنقطة، يترك الطبشور على الأرض، تتسع دائرة الضوء قليلًا لتكشف الرجل والنقطة معًا" الآن أستطيع أن أمشي... ليس لأهرب منك... وليس لأبحث عنك... بل لأنني أعرف أنك هنا... "يضع يده على صدره ثم ينظر إلى النقطة" وإذا ضللت الطريق يومًا... لن أحتاج إلى رسم طريق جديد... سأعود فقط... إلى النقطة... "يبتعد ببطء، بينما تبقى النقطة في مركز الضوء، ثم يقف عند حافة الخشبة، يلتفت إليها للمرة الأخيرة" كل الطرق التي قطعتها... كانت محاولة للعودة إلى نقطة واحدة... "ينظر إلى النقطة طويلًا، ثم يضع يده على صدره" كنت أبحث عن البداية... فوجدتني... "يتحرك خطوة إلى الأمام، ثم يتوقف، يلتفت إلى النقطة دون خوف هذه المرة" لم أعد أحتاج إلى أن أعرف إلى أين سأذهب... يكفيني أن أعرف من أين أعود... "يبتسم ابتسامة هادئة، يترك الطبشور على الأرض، وتبقى النقطة في مركز الضوء بينما يستقر باقي الفضاء في حضور خافت"


نهاية


تأليف: عمر عمارة

الجلفة – الجزائر

حقوق النص محفوظة للمؤلف

لا يُسمح بالاقتباس أو التعديل أو الاشتغال على النص إلا بإذن مسبق من المؤلف

للتواصل

omar.amara122@gmail.com

شارك المقال:
مصطفى عماد
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

أضف تعليقاً:

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!